جريدة الغد الرئيسية جريدة الغد جريدة الغد جريدة الغد جريدة الغد جريدة الغد
 
   
متابعات
 

 

المتاهة

منى مكرم عبيد

للوهلة الأولى، يبدو أن هذا العام لن يمر على مصرالمحروسة بسهولة وأنه سيكون من أصعب وأحلك الأعوام فى حياتها، منذ مينا وحتى مبارك، لكنه فى كل الأحوال سينتهى بعد أن يكون علامة فارقة وإن لم تؤد إلى التغيير الذى تحلم به المعارضة المصرية، بكل ألوان طيفها السياسى ? ليبرالى، يسارى، قومى، إسلامى ? وما يزيد الأمور تعقيداً أن من يتأمل ما يحدث سواء على صفحات الصحف، أو فى الشارع وعلى منابر المساجد والكنائس، وساحات الجامعة، أو حتى قبة البرلمان، يلحظ أن المجتمع المصرى من حكومة ومعارضة، مثقف وجاهل، شاب وكهل، يسير فى طريق المتاهة ويفتقد البوصلة التى توجهه يميناً أو يساراً، للأمام سر أو للخلف در

علاوة على ذلك لم تشهد مصر حالة من الاحتقان السياسى والإرتباك الأمنى مثلما الحال الان، وهو ما يظهر جلياً فى الهجوم الحكومى الشرس على الشخصيات المعارضة وليست المعارضة المستأنسة ـ لدرجة الضرب بالنار والإعتداء بالشوم بحيث يبدو الأمر وكأنه مواجهة بين الحزب الحاكم من ناحية والقوى السياسية والتيارات الفكرية من ناحية أخرى، تتمخض عن نتيجة صفرية لصالح الحزب الحاكم حتى يبقى اللاعب الوحيد فى الحياة السياسية، فهل هذا ما يرغب فيه ويطمح إليه؟ إنها مهزلة بكل المقاييس

فقد أثبتت التجربة أن الحوار الذى أجرى بين الحزب الوطنى وأحزاب المعارضة ? عقيم ? يغلب عليه صفة ? المونولوج ? لا ? الديالوج ? وذلك بحكم مشاركتى فى بعض جلساته، ولا يوجد مبرر للإستمرار فيه، لأنه يجرى فى الغرف المغلقة، ودفعت الأحزاب ثمن قبولها الدخول فى مثل هذا الحوار، حتى يبقى رؤساؤها فى مواقعهم أو يحصلوا على كرسى فى البرلمان، لكنها لم تحقق أهدافها أو تقطف ثمار نضالها فى نهاية المطاف ?? والمراقب للشأن المصرى يجد أن الإصلاح السياسى يتأرجح ما بين التقدم البطئ والتعثر أو التراجع، والإص لاح البطئ يشبه الموت البطئ، ولو أستمر هذا الوضع فمن الممكن أن تمر السنون دون أن تحقق مصر أى تقدم حقيقى على طريق الديمقراطية الكاملة وعندئذ سنكون كمن يتحركون خارج التاريخ ومن ثم فإن الأحزاب السياسية مدعوة إلى مراجعة شاملة لبرامجها السياسية، حتى تتصدى لمشكلات الحاضر برؤية شاملة مستقبلية عصرية، وتجديد قياداتها، فكيف يمكن أن نطمح أن تكون هناك ديمقراطية فى بلدنا وليست هناك ديمقراطية فى أحزابنا، فالأحزاب المصرية لا تعرف معنى التداول السلمى للسلطة بداخلها، فكيف تقود عملية الإصلاح السياسى؟

بالإضافة إلى ذلك لابد من إتاحة الفرصة أمام التيارات السياسية المحجوبة عن الشرعية كى تشارك فى العملية السياسية فى ضوء احترامها للدستور والقانون والإتفاقيات الدولية التى وقعتها مصر كما أن القول بأن قانون الطوارئ لا يطبق إلا فى حالات استثنائية غير مقنع؛ لأنه لا توجد قوانين طوارئ ف ى كل بلاد العالم، والقول بأنها لا تتعامل إلا مع تجار المخدرات وحوادث الإرهاب غير واقعى؛ لأنها تستخدم فى منع الإجتماعات ومنع التظاهر السلمىويبقى التساؤل كيف يمكن ترسيخ الديمقراطية فى المجتمع المصرى؟ لا سيما وأن شواهد الاستبداد فى مجتمعنا كثيرة، منها الإستبداد الذكورى، واستبداد الزوج بالزوجة، والأب والأم بالأولاد، واستبداد الأستاذ بالطلبة، والرئيس بمروءوسيه، إن الديمقراطية التى نتطلع إليها لي ست مجرد أطر قانونية ودستورية وحزبية ?? ولكن هى فى الأساس ديمقراطية فكرية وثقافية ومجتمعية، تعلى من قيم الحرية وترد للفرد إعتباره ومكانته المستحقة فى صنع المستقبل وقيادة المجتمع إلى الأفضل

ومن غرائب الأمور أن النظام السياسى المصرى يعتبر الإصلاحيين والنشطاء السياسيين تابعين لأمريكا رغم أنه وقع اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل فى 1979 برعاية أمريكية، وشارك فى حرب تحرير الكويت فى 1991 تحت مظلة القوات الأمريكية، ووقع بروتوكول الكويز مع إسرائيل فى 2004 بدعم من الولايات المتحدة، والشواهد السابقة تؤكد على حرص الجانب المصرى على تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة، فلماذا ما يرضاه على نفسه يحرمه على الآخرين، وعجبى على حد قول الشاعر المرحوم صلاح جاهين ??

ولم تقتصر المتاهة المصرية على الجانب السياسى فقط، حيث اتسعت مساحة ? السحابة السوداء ? فى جميع المجالات، لقد كانت مصر ? قبلة ? الطلاب العرب والأفارقة نظراً لما تتمتع به جامعاتها ومؤسساتها التربوية والتعليمية من سمعة طيبة وشهرة ذائعة أما الآن فقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع مائة وثمانين درجة، وباتت جامعات أخرى فى المحيط العربى، لم يزد عمرها عن عدد أصابع اليد يفد إليها الطلاب ?? أما فيما يتعلق بقنواتنا الفضائية فهى ليست بالجاذبية التى تتمتع بها قنوات عربية أخرى ? الجزيرة والعربية وأبو ظبى ? وأصبحت أكبر جريدة عربية مقروءة خارج حدودها جريدة ? الحياة ? اللندنية تنافسها جريدة ? الشرق الأوسط ? السعودية وأصبحت أكبر دور لطباعة ونشر الكتب العربية والمترجمة فى بيروت، وانتقل مركز إدارة المال والأعمال إلى دبى، وحتى الدراما المصرية التى كانت تجوب الأفق باتت فى مستوى أقل كثيراً، وأصبح ينافسها الدراما السورية، وإنتقلت المهرجانات الفنية،سواء الغنائية أو التمثيلية إلى تونس والمغرب، وما يثير الأسى والحزن، أنه فى الوقت الذى تقطعت فيه أواصر علاقات مصر مع العالم العربى سياسياً وإقتصادياً فى النصف الثانى من عقد السبعينيات بقى الوجود المصرى حاضراً وراسخاً فى الذهن العربي، بالفيلم والأغنية بالرواية والقصيدة، بالمسرحية والكتاب، على عكس الحال الآن كم ا أن إحدى المقولات التى كانت تتردد فى الستينات وهى ? القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ ? أصبحت فى طى النسيان، فلا يمكن لمصر أن ترتكن إلى واقعها الجغرافى وميراثها التاريخى ودورها السياسى بإعتبارها بلد نهر النيل وا لأهرامات والأوبرا ومترو الأنفاق ? وفى مجال ا لرياضة كم دمعت عيناى وصدمت مشاعرى عندما علمت بنبأ حصول مصر على صفر ? فى القرعة الخاصة بالدولة المؤهلة للحصول على تنظيم كأس العالم 2010 وقد يكون إدراك هذه الحقيقة هو المقدمة الضرورية لنهضة تعيد لمصر دورها الذى تآكل أو عمرها الذى شاخ، فقد أصبحنا ? عالة ? على العصر، علومه وتقنياته وآدابه وفنونه، نستوردها ونتسولها، ننقلها ونحاكيها، بإختصار، فإن ? الصفر ? الذى حصلت عليه مصر فى الرياضة هو إنعكاس لواقع مجتمعى هزيل، بالنسبة للأوضاع السياسية والإقتصادية والثقافية والتعليمية، ولعل ذلك الموقف الحرج هو الذى دفعنى للإنخراط فى عضوية حزب الغد، ليس لأنه يستطيع حل مشكلات مصر كلها، وإنما لتقديمه رؤية عصرية للمشكلات المصرية بطرح أفكار ليبرالية غير تقليدية متمثلة فى مبادئ الطريق الثالث ? الذى يدعو إلى التعددية السياسية والحرية الإقتصادية وضمان السلام الإجتماعى وتداول سلمى للسلطة والمشاركة الإيجابية فى تكوين عالم الغد، بإختصار يطرح رؤية للمستقبل التى نفتقدها منذ سنوات طويلة، حيث يظلل حياتنا رؤية ضبابية وغياب النظرة الشاملةومن الناحية المنطقية، حين يفقد مجتمع ما ريادته التاريخية عليه أن يسأل نفسه لماذا حدث التراجع، وكيف يمكن إستعادة الدور المفقود؟ هذا السؤال لا يهدف إلى مجرد جلد الذات والإكتفاء بالنواح، ولكنه يهدف إلى محاسبة النفس وكشف أوجه القصور وقديماً قالوا من أخفى علته قتلته ? فأحد الفروق الجوهرية بين المجتمعات الحية المتطورة الناهضة وتلك الخامدة والجامدة والراضية بتخلفها، أن الأولى تعمد بين حقبة تاريخية وأخرى على محاسبة نفسها ومراجعة حالها ومعرفة أين وصلت من تطلعاتها وطموحاتها أما الثانية فتكتفى بالتعايش مع تخلفها ولا تقدر على محاسبة نفسها أو نقد أوضاعها، وتبرز دائماً همومها بضغط الخارج ولا تعترف بمسئوليتها الذاتية أبداً فلابد من إصلاح الداخل حتى نصلح حال الخارج

ومازالت لدى قناعة بأن دفة المنطقة فى قبضة مصر، نظاماً ومجتمعاً، وأن حركة مصر إلى الأمام ستكون ? القاطرة ? التى ستأخذ الاخرين معها فى طريق التحديث والانفتاح على العالم الخارجى فمصر دائماً هى الفاعل الرئيسى عند المنعطفات والمرشد الأساسى فى مفترق الطرق فلا يمكن لدولة أن تشترى أسم محمد عبده، وأحمد لطفى السيد، أو تخرج علم رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك، أو تقدم شعر أحمد شوقى وحافظ إبراهيم أو تقتنى قيمة عباس العقاد وتوفيق الحكيم، أو تستورد قلم نجيب محفوظ وأحمد بهاء الدين أو تصدر حنجرة عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وعبد الوهاب أو تنجب عبقرية أحمد زويل وفاروق الباز

إن مصر عليها أن تختار ما بين بديلين إما الفوضى العارمة أو الإصلاح الحقيقى

الخيار الأول يدعمه الجمود السياسى والتطرف الفكرى والذى خرج من عباءته خلايا إرهابية صغيرة ? شنت هجمات الأزهر والقلعة والتحرير، وما يزيد من صعوبة الموقف أن مطاردة ? أشباح ? أصعب بكثير من ملاحقة تنظيمات كانت أساليبها معروفة، وأهدافها معلنة وطرقها فى التعبير عن نفسها واضحة ومحددة، ولا يجدى الخيار الأمنى فى هذه الحالة بحبس قيادات من الإخوان المسلمين أو إعتقال أعضاء فى حركات معارضة مثل ? كفاية ?

أما الخيار الثانى يدعمه أن عجلة الإصلاح السياسى فى مصر قد دارت ولن تعود إلى الوراء وأثبتت التجربة أن تأجيل الإصلاح السياسى لحين الإنتهاء من الإصلاح الإقتصادى أدى إلى تعثر المسيرة على كلا الصعيدين وأصبحت سياسة تأجيل الحلول أو الإقدام على تقديم أنصاف الحلول ? المسكنات ? لا تجدى فالإصلاح ليس قراراً بقدر ماهو مشروع، فهل يأتى اليوم ويتحقق الحلم المصرى بإصلاح شامل يخرج مصر والمصريين من المتاهة ? التى يعيشون فيها منذ عقود طويلة؟يا رب

سكرتير عام حزب الغد وأستاذة جامعية



 
ثقافـــــــــــــــــة